السيد محمد تقي المدرسي
487
من هدى القرآن
الملوك والسلاطين الذين يهيمنون على ظاهر الناس دون باطنهم . وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ إن الله قادر أن يمنع الآخرين عنك فيجيرك ، ولكن لا يستطيع أحد أن يمنع عذاب الله وانتقامه عنك . لو أراد ذلك ، وهناك مقولة تنقل عن أفلاطون وهي : [ إذا كانت السماء قوساً ، والبلاء سهماً ، والرامي هو الله فأين المفر ] . بينما الذي نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله الآية فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [ الذاريات : 50 ] ، وفرق بين المقولة السلبية ، والنازل على الرسول صلى الله عليه وآله هو الإيجابية التي تدعونا أن لا نقف مكتوفي الأيدي حين نرى البلاء ، بل نلجأ إلى الله ، فنفر من الرامي إليه ، ومن غضبه إلى رحمته ، فنقرأ في الدعاء المأثور : [ مِنْ أَيْنَ لِيَ الْخَيْرُ وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَلَا الَّذِي أَسَاءَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِك ] « 1 » . [ 89 ] إنك لو سألتهم عن كل ذلك : سَيَقُولُونَ لِلَّهِ بفطرتهم ؛ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ تخدعون من قبل الآخرين ، وتسلب منكم مشاعركم ، وإرادتكم . [ 90 ] بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ والكذب مرحلة خطيرة من الكفر والجحود ، حيث ينكر البشر الحق لا عن جهل به ، وإنما عن وعي بأنه الحق . [ 91 ] ومن أكبر كذبهم ادعاؤهم بأن لله ولداً أو شريكاً ، والقرآن ينفي هذه الكذبة إذ يقول : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ . مِنْ تفيد الحصر ، والآية رد على الذين يزعمون بأن : الله منح قدرته وسلطانه لبعض الناس دون بعض ، ولو افترضنا أن مع الله آلهة أخرى : إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وجعل لخلقه نظاماً خاصاً به ، ولكننا نجد أن النظام الذي يحكم الذرة هو الذي يحكم المجرة ، ولو صح ما يزعمون لحدث التناقض بين هذه الآلهة . وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وما دمنا نلمس وحدة النظام والخلق . إذن فالإله واحد لا شريك له ، ونجد فكرة تعدد الآلهة منتشرة في الأساطير اليونانية بكثرة ، والفكرة العميقة في هذا المقطع من الآية هي : إنه لو كانت توجد آلهة غير الله لكان لكل إله قدرة ذاتية ، ولسعى لمد قدرته وسيطرته من أجل الهيمنة على غيره ، ولاستحالت الحياة ، ولأدى ذلك إلى فساد الكون . لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [ الأنبياء : 22 ] . سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ وهو أنزه وأقدس مما يصفه هؤلاء .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 95 ص 39 ، من دعاء أبو حمزة الثمالي .